القاضي التنوخي
133
الفرج بعد الشدة
قال : فأيقنت بالقتل ، وأقبلت على الصّلاة ، والدّعاء ، والبكاء . فما مضت إلّا ساعات يسيرة ، حتّى سمعت أصوات الأقفال تفتح ، فعاودني الجزع ، وإذا هم قد جاءوا إلى بيت أبي المثنّى القاضي [ 94 م ] ، ففتحوه ، وأخرجوه ، وقالوا له : يقول لك أمير المؤمنين ، يا عدوّ اللّه ، يا فاسق ، بم استحللت نكث بيعتي ، وخلع طاعتي ؟ فقال : لأنّي علمت ، أنّه لا يصلح للإمامة . فقالوا له : إنّ أمير المؤمنين ، قد أمرنا باستتابتك من هذا الكفر ، فإن تبت رددناك إلى محبسك ، وإلّا قتلناك . فقال : أعوذ باللّه من الكفر ، ما أتيت ما يوجب الكفر . قال : وأخذ يتهوّس معهم بهذا الكلام وشبهه ، ولا يرجع عنه . فلمّا أيسوا منه ، مضى [ 92 ظ ] بعضهم وعاد ، فظننت أنّه يستثبت في الاستئذان ، قال : ثمّ أضجعوه ، فذبحوه ، وأنا أراه ، وحملوا رأسه ، وطرحوا جثّته في البئر . قال : فذهب عليّ أمري ، وأقبلت على البكاء ، والدّعاء ، والتضرّع إلى اللّه جلّ وعزّ . فلمّا كان وجه السّحر « 5 » ، وقد سمعت صوت الدبادب « 6 » ، وإذا صوت
--> ( 5 ) السحر : آخر الليل ، قبيل الصبح ( المنجد ) ، وهو من ثلث الليل الآخر إلى طلوع الفجر ( لسان العرب ) ، وفي فقه اللّغة 326 : السحر ، ثم الفجر ، ثم الصبح ، ثم الصباح ، ثم يأتي النهار ، وأوّله الشروق ، ثم البكور ، أقول : قال متمّم بن نويرة ، يرثي أخاه مالكا : من كان مسرورا بمقتل مالك * فليأت نسوتنا بوجه نهار يجد النساء حواسرا ، يندبنه * بالصبح ، قبل تبلّج الأسحار فهو في البيت الأوّل ، ذكر النهار ، وجعله في البيت الثاني ، يشمل الصبح والسحر ، كما جعل الصبح قبل السحر ، مما لا يتّفق والتسلسل المدوّن في المعاجم ، وفي فقه اللّغة ، وتعليل ذلك ، ما ورد في لسان العرب ، في مادة : صبح ، بأنّ العرب ، إذا قربت من المكان الذي تريده ، تقول : قد بلغناه ، وإذا قرّبت للساري ، طلوع الصبح ، وإن كان غير طالع ، تقول : أصبحنا ، ويقال : أصبح القوم ، أي دنا وقت دخولهم في الصباح ، وهاهنا فائدة أخرى ، وهي قوله : تجد النساء حواسرا يندبنه ، أي أنّهنّ يندبنه وقد كشفن عن رءوسهنّ ، وهذا لا يكون إلّا عند الفجيعة بعزيز ، وما زال هذا التقليد ساريا عند البغداديّات ولكنّه آخذ في الانحسار ، فإنّ المرأة البغداديّة ، إذا فجعت بعزيز ، ناحت عليه قائمة ، ولطمت ، وهي مكشوفة الرأس ، وإذا كانت فاجعتها به عظيمة ، ناحت عليه قائمة ، وقد كشفت عن رأسها وثدييها ، وهذا عندهنّ نهاية في إظهار الحزن ، وكان من تقاليد النساء العربيّات ، أنّ المرأة إذا ندبت زوجها ، وهي قائمة ، فإنّها لا تتزوج بعده أبدا ( نهاية الأرب 4 / 278 ) . ( 6 ) الدبادب : طبول صغار ، كانت تضرب على أبواب الخلفاء والولاة في أوقات الصلاة ، وسميت بالدبادب ، لأنّها حكاية صوتها عند الضرب : دب ، دب ( لسان العرب ) ، والدبداب : الطبل ، والدرداب : صوت الطبل ، والدبدبة : كل صوت أشبه صوت وقع الحافر على الأرض الصلبة ( لسان العرب ) .